الذهب بين التصعيد الجيوسياسي والضغوط الاقتصادية: مسار محفوف بالتقلبات
استهلت أسعار الذهب تداولات الأسبوع الجديد بحركة حذرة تميل إلى التذبذب، في ظل بيئة مشحونة بالتوترات الجيوسياسية وضغوط اقتصادية متزايدة، ما جعل تحركات المعدن النفيس أقرب إلى ردود فعل سريعة بدلًا من اتجاه واضح ومستقر.
فخلال الجلسة الآسيوية، تمكن الذهب من تسجيل ارتفاع محدود، حيث صعد السعر الفوري بنسبة 0.4% ليصل إلى 4,509.51 دولار للأوقية، بينما ارتفعت العقود الآجلة إلى 4,537.40 دولار، في محاولة لتعويض جزء من الخسائر العنيفة التي تكبدها خلال الأسبوع الماضي، حين هبط إلى مستوى 4,000 دولار قبل أن يعاود الارتداد بشكل سريع نحو مستويات 4,500 دولار، في مشهد يعكس اضطرابًا واضحًا في سلوك المستثمرين.

ويأتي هذا التحرك الصاعد بعد موجة هبوط قوية أفقدت الذهب قرابة 20% من قيمته منذ تصاعد التوترات مع إيران، وهو ما يدعم الرأي القائل بأن التعافي الحالي لا يزال في إطاره الفني، خاصة مع تحسن طفيف في مؤشرات الزخم مثل مؤشر القوة النسبية، الذي بدأ بالخروج تدريجيًا من مناطق التشبع البيعي.
ورغم هذا التحسن، لا تزال التحديات الاقتصادية تضغط بقوة على المعدن الأصفر، إذ يواصل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية المدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، تقليص جاذبية الذهب كملاذ آمن، خاصة في ظل بيئة نقدية تتسم بأسعار فائدة مرتفعة.
أما في سوق المعادن النفيسة، فقد انعكس هذا التذبذب بشكل واضح على بقية الأصول، حيث شهدت تحركات غير متجانسة تعكس غياب الاتجاه العام، إذ تبقى الأسواق في حالة ترقب مستمر لأي إشارات جديدة سواء من الجانب الاقتصادي أو السياسي.

التوترات الجيوسياسية تفرض سيطرتها على المشهد
لا تزال التطورات في الشرق الأوسط تلعب دورًا محوريًا في توجيه الأسواق، حيث تصاعدت المخاوف من توسع رقعة الصراع بعد الهجمات الأخيرة التي قد تفتح جبهات جديدة، خصوصًا في مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر، ما يزيد من حساسية الأسواق لأي تطور ميداني.
وفي المقابل، تتزايد التكهنات بشأن احتمال تصعيد عسكري أوسع، مع تقارير عن تعزيزات عسكرية أمريكية في المنطقة، بالتزامن مع تصريحات إيرانية تؤكد الاستعداد لأي مواجهة محتملة، وهو ما يعزز حالة عدم اليقين ويضع الأسواق أمام سيناريوهات مفتوحة.
ورغم محاولات التهدئة السياسية، بما في ذلك تصريحات دونالد ترامب حول إمكانية التوصل إلى اتفاق، إلا أن غياب جدول زمني واضح واستمرار التحذيرات من التصعيد يجعل هذه التصريحات غير كافية لطمأنة الأسواق.
التحليل الفني: مفترق طرق حاسم
من منظور فني، يمر الذهب بمرحلة اختبار دقيقة، حيث تقف الأسعار أمام مستويات مقاومة قوية تبدأ عند 4,624 دولار، ثم 4,670 دولار، وصولًا إلى 4,850 دولار للأوقية، وهي مناطق قد تشكل حاجزًا صعبًا أمام أي محاولة لاستمرار الصعود.
وفي حال عجز الذهب عن اختراق هذه المستويات، فإن احتمالات استئناف الاتجاه الهابط تظل قائمة، خاصة مع استمرار العوامل الأساسية السلبية التي تدعم قوة الدولار وترفع من عوائد السندات.
المعادن النفيسة: تذبذب يعكس الحيرة
بالتوازي، عكست بقية المعادن النفيسة حالة من التردد في الأسواق، حيث سجلت الفضة ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.5% لتصل إلى نحو 69.91 دولار للأوقية، بينما قفز البلاتين بنسبة 2.7% إلى 1,911.05 دولار، كما ارتفع البلاديوم بنسبة 2.9% ليبلغ 1,416.60 دولار للأوقية، في تحركات تؤكد أن الأسواق لا تزال تبحث عن اتجاه واضح وسط بيئة مليئة بالمخاطر والتقلبات.
في المحصلة، يبقى الذهب محاصرًا بين دعم جيوسياسي قوي من جهة، وضغوط اقتصادية عنيفة من جهة أخرى، ما يجعل مساره خلال الفترة المقبلة مرهونًا بتوازن دقيق بين هذين العاملين، في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ تحركات المعدن النفيس.
