الذهب يتراجع تحت وطأة الفائدة القوية وصعود الدولار وسط توتر جيوسياسي متصاعد
الذهب تحت ضغط الفائدة والدولار
تواصل أسعار الذهب تسجيل خسائرها في الأسواق الآسيوية لليوم الثالث على التوالي، في مشهد يعكس تزايد الضغوط النقدية أكثر من تأثره بعوامل الملاذ الآمن، وذلك في ظل ارتفاع توقعات التضخم وتشدد السياسة النقدية، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران.
فقد تراجع الذهب الفوري بشكل ملحوظ، متأثرًا بموجة صعود قوية في الدولار الأمريكي، إلى جانب إعادة تسعير توقعات الفائدة، حيث باتت الأسواق أقل اقتناعًا بإمكانية خفضها في الأجل القريب. هذا التحول في التوقعات جاء مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة، خاصة النفط، الذي ساهم في تغذية الضغوط التضخمية عالميًا.

وفي خلفية المشهد، تزداد حدة التوترات السياسية مع اقتراب المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران بشأن مضيق هرمز، وهو ما يعزز حالة القلق في الأسواق. ورغم أن مثل هذه الأزمات عادة ما تدعم الذهب كملاذ آمن، إلا أن الواقع الحالي يظهر تفوق تأثير العوامل النقدية، لا سيما مع ارتفاع العوائد الأمريكية.
ارتفاع أسعار النفط نتيجة هذه التوترات لم يكن في صالح الذهب، بل على العكس، عزز المخاوف من استمرار التضخم لفترة أطول، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على التيسير النقدي. ونتيجة لذلك، تعرض المعدن الأصفر لضغط مزدوج يتمثل في قوة الدولار وارتفاع العوائد، وهو ما يقلل من جاذبيته الاستثمارية مقارنة بالأصول المدرة للعائد.
في المقابل، لا تزال المساعي الدبلوماسية تراوح مكانها، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق لتهدئة الأوضاع، بعد رفض إيران مقترحات التهدئة المؤقتة، مفضلة اتفاقًا شاملًا يتضمن شروطًا أوسع. هذا الجمود السياسي يزيد من حالة عدم اليقين، ويُبقي الأسواق في حالة ترقب حذر لأي تطورات مفاجئة.
كما تترقب الأسواق صدور بيانات التضخم الأمريكية، والتي تُعد نقطة مفصلية في تحديد توجهات الاحتياطي الفيدرالي خلال المرحلة المقبلة، حيث إن أي قراءة مرتفعة قد تعزز من استمرار السياسة النقدية المتشددة، وهو ما قد يمدد الضغوط على الذهب.

أما على صعيد بقية السلع، فقد تحركت الأسواق في اتجاه متباين يعكس طبيعة المرحلة الحالية؛ إذ شهدت الفضة والبلاتين والبلاديوم تراجعات متفاوتة تحت تأثير نفس الضغوط النقدية، بينما سجل النحاس انخفاضًا طفيفًا في ظل مخاوف تباطؤ الطلب الصناعي. في المقابل، واصلت أسعار الطاقة ارتفاعها، حيث صعد النفط الخام الأمريكي وخام برنت بنسب محدودة، إلى جانب ارتفاع طفيف في أسعار الغاز الطبيعي، مدفوعة باستمرار التوترات الجيوسياسية وتعطل سلاسل الإمداد.
وبلغة الأرقام، يتداول الذهب الفوري قرب مستوى 4,627.91 دولار متراجعًا بنحو 0.5%، فيما انخفضت العقود الآجلة إلى 4,652.20 دولار بنسبة 0.7%. كما تراجعت الفضة إلى 71.94 دولار بخسارة 1.2%، والبلاتين إلى 1,956.60 دولار بنسبة 1.4%، والبلاديوم إلى 1,380.00 دولار بنحو 0.6%، بينما سجل النحاس حوالي 9,380 دولار للطن بانخفاض 0.4%. وعلى الجانب الآخر، ارتفع النفط الخام الأمريكي إلى 110.10 دولار بنسبة 0.4%، وخام برنت إلى 109.20 دولار بنسبة 0.3%، كما صعد الغاز الطبيعي إلى 3.55 دولار بنسبة 0.2%.
في المجمل، تعكس هذه التحركات حالة دقيقة تعيشها الأسواق العالمية، حيث يتراجع الذهب تحت ضغط السياسة النقدية، في حين تواصل الطاقة الصعود بفعل المخاطر الجيوسياسية، ما يضع المستثمرين أمام معادلة معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين المخاطر والفرص في بيئة اقتصادية شديدة التقلب.
