الذهب يتخلى عن مكاسبه مع قوة الدولار ومخاوف التضخم
شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً خلال التداولات الآسيوية صباح اليوم الاثنين، متراجعة دون مستويات فنية ونفسية مهمة، في ظل تزايد الضغوط الناتجة عن قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات، إلى جانب حالة الحذر التي تسيطر على الأسواق قبيل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المرتقب هذا الأسبوع.
وعلى الرغم من استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتصاعد الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن المعدن النفيس فشل في الحفاظ على مكاسبه، حيث طغت المخاوف المتعلقة بالتضخم وارتفاع أسعار الفائدة على الطلب التقليدي على الذهب كملاذ آمن.
وخلال التعاملات، تراجع الذهب الفوري بنسبة 0.5% ليسجل 4,995.21 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 05:25 صباحاً بتوقيت السعودية، ليتداول دون حاجز 5000 دولار النفسي المهم. كما انخفضت العقود الآجلة للذهب الأمريكي بنسبة 1.3% لتصل إلى 4,996.96 دولاراً للأوقية، ما يعكس استمرار الضغوط البيعية في سوق المشتقات.
تصاعد التوترات الجيوسياسية يزيد القلق في الأسواق
جاء هذا التراجع في وقت تتزايد فيه المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على محطة تصدير رئيسية خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما أثار تهديدات انتقامية قوية من طهران وأعاد المخاوف بشأن اتساع نطاق الصراع في المنطقة.
وأدى هذا التصعيد إلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، خاصة مع المخاوف من تأثير النزاع على إمدادات الطاقة العالمية وطرق الشحن الاستراتيجية.
ورغم هذه التطورات، لم يستفد الذهب بالشكل المعتاد من حالة القلق الجيوسياسي، حيث تحول تركيز المستثمرين بشكل أكبر نحو تداعيات ارتفاع التضخم العالمي واحتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
النفط فوق 100 دولار يعزز مخاوف التضخم
في الوقت نفسه، حافظت أسعار النفط على مستويات مرتفعة فوق 100 دولار للبرميل، مدفوعة بالمخاوف من اضطراب الإمدادات في حال اتساع نطاق الصراع في المنطقة.
ورغم تقليص بعض المكاسب خلال تعاملات الاثنين، بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى وجود محادثات جارية لتشكيل تحالف دولي يهدف إلى إعادة فتح ممر شحن رئيسي أغلقته إيران، فإن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع هذه التصريحات، خاصة في ظل رفض طهران المتكرر لمثل هذه المزاعم.
ويساهم استمرار أسعار الطاقة المرتفعة في تعزيز الضغوط التضخمية عالمياً، وهو ما يزيد من احتمالات إبقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي يضغط عادة على الذهب لأنه لا يدر عائداً مقارنة بالأصول ذات العائد مثل السندات.

الفيدرالي والدولار يضغطان على المعدن الأصفر
يركز المستثمرون حالياً بشكل كبير على اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المرتقب هذا الأسبوع، حيث تسود حالة من الحذر في الأسواق بشأن احتمال صدور إشارات متشددة من البنك المركزي الأمريكي في ظل استمرار الضغوط التضخمية.
وقد ساهمت هذه التوقعات في دعم الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات، ما أدى إلى تقليص جاذبية الذهب بالنسبة للمستثمرين العالميين.
كما أشار محللون في بنوك استثمارية إلى أن بعض التراجعات الأخيرة في أسعار الذهب تعود أيضاً إلى عمليات تصفية مراكز من قبل المتداولين لتلبية نداءات الهامش في الأسواق المالية، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط البيعية على المعدن النفيس.
ورغم ذلك، يرى العديد من المحللين أن الدور التقليدي للذهب كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين الجيوسياسي لا يزال قائماً، وقد يعود الطلب عليه بقوة إذا تصاعدت المخاطر العالمية بشكل أكبر.
أداء متباين لبقية المعادن الثمينة
في أسواق المعادن الأخرى، سجلت الأسعار أداءً متبايناً خلال تعاملات الاثنين، متأثرة بقوة الدولار الأمريكي.
حيث انخفضت أسعار الفضة الفورية بنسبة 1.8% لتصل إلى 79.1805 دولاراً للأوقية، متأثرة بالضغوط نفسها التي تواجه الذهب.
في المقابل، تمكن البلاتين من تحقيق مكاسب طفيفة، حيث ارتفع بنسبة 0.2% ليسجل 2,031.43 دولاراً للأوقية، مدعوماً بالطلب الصناعي واستقرار المعروض في الأسواق العالمية.
التحليل الفني لحركة الذهب
من الناحية الفنية، أدى كسر مستوى 5000 دولار للأوقية إلى زيادة الضغوط السلبية على المدى القصير، حيث يمثل هذا المستوى دعماً نفسياً مهماً في السوق.
ويقع الدعم التالي للذهب بالقرب من 4,950 دولاراً، وفي حال كسر هذا المستوى فقد يمتد التراجع نحو 4,880 دولاراً ثم 4,800 دولار للأوقية.
أما على الجانب الصعودي، فإن عودة السعر للاستقرار فوق مستوى 5,000 دولار قد تعيد الزخم الإيجابي تدريجياً، مع مواجهة مقاومة أولى عند 5,080 دولاراً، يليها مستوى 5,150 دولاراً للأوقية.
التوقعات للفترة المقبلة
من المرجح أن تبقى تحركات الذهب خلال الفترة القادمة شديدة الحساسية لمزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، وفي مقدمتها:
-
تطورات الصراع في الشرق الأوسط
-
اتجاهات أسعار النفط والطاقة
-
قوة الدولار الأمريكي
-
نتائج اجتماع الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات أسعار الفائدة
وفي حال استمر التضخم المرتفع مدعوماً بأسعار الطاقة، مع صدور إشارات متشددة من الفيدرالي، فقد يواجه الذهب ضغوطاً إضافية تدفعه نحو نطاق 4,900 – 4,800 دولار للأوقية.
أما إذا تصاعدت التوترات الجيوسياسية بشكل أكبر أو تراجعت عوائد السندات الأمريكية، فقد يستعيد الذهب بعض قوته ويعود للتداول فوق مستوى 5,000 دولار مع إمكانية استهداف مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة.
وفي ظل هذه المعطيات، يتوقع أن تستمر حالة التقلب المرتفع في سوق الذهب على المدى القصير، مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب مستمر للأخبار السياسية والبيانات الاقتصادية المؤثرة في اتجاه الأسواق العالمية.

