الذهب يتراجع والنحاس يقترب من القمة.. المعادن بين رهانات الفائدة وشح الإمدادات
شهدت أسواق المعادن تحركات متباينة خلال تعاملات الأربعاء، مع تراجع الذهب تحت ضغط ترقب بيانات التضخم الأمريكية، بينما حافظ النحاس على مكاسبه قرب مستوياته القياسية، في وقت واصلت فيه الفضة والبلاتين والبلاديوم الصعود
ويعكس هذا الأداء اختلاف المحركات بين المعادن؛ فالذهب يتحرك أساسًا وفق توقعات أسعار الفائدة والدولار والعوائد، في حين يستفيد النحاس من أزمة المعروض والطلب المتزايد المرتبط بالذكاء الاصطناعي والطاقة وشبكات الكهرباء
الذهب يتراجع بعد قمة 3 أشهر
انخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.3% إلى 4,642.74 دولار للأوقية، بعدما سجل في الجلسة السابقة أعلى مستوى له منذ منتصف مايو، بينما ارتفعت العقود الآجلة الأمريكية 0.1% إلى 4,700.70 دولار
ويترقب المستثمرون بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي PCE الأمريكي، باعتباره مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، بحثًا عن إشارات تحدد اتجاه أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة
وتشير الأسواق إلى احتمال إبقاء الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في الاجتماع المقبل بنسبة 61.6%، ما يجعل أي مفاجأة في بيانات التضخم قادرة على إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية
إذا جاء التضخم أعلى من المتوقع، فقد ترتفع العوائد الحقيقية والدولار، ما يزيد الضغط على الذهب، بينما قد تمنح قراءة أضعف المعدن دفعة جديدة عبر تعزيز توقعات خفض الفائدة

4,681 دولارًا.. مفتاح الذهب القادم
فنيًا، يختبر الذهب منطقة مقاومة عند 4,681 دولارًا، ويُنظر إلى تجاوزها والثبات فوقها باعتباره إشارة إيجابية قد تفتح الطريق أمام التحرك نحو نطاق 4,707 إلى 4,743 دولارًا
أما الفشل في اختراق هذه المنطقة، بالتزامن مع بيانات تضخم قوية أو تصريحات متشددة من الاحتياطي الفيدرالي، فقد يشجع المستثمرين على جني الأرباح بعد الصعود القوي الأخير
وفي سوق المعادن النفيسة، ارتفعت الفضة 0.9% إلى 69.26 دولار للأوقية، وصعد البلاتين 0.4% إلى 1,865.09 دولار، بينما قفز البلاديوم 1.3% إلى 1,343.75 دولار
ويكشف تماسك هذه المعادن في الوقت الذي يتراجع فيه الدهب عن قمة الجلسة السابقة عن استمرار قوة الطلب على المعادن النفيسة بصورة عامة
النحاس يقترب من أعلى مستوى تاريخي
في المقابل، يواصل النحاس تقديم أداء أقوى، بعدما ارتفع خلال التعاملات بنحو 0.6%، عقب تسجيله أعلى إغلاق قياسي في الجلسة السابقة
وبلغ النحاس القياسي لأجل ثلاثة أشهر نحو 14,355.50 دولارًا للطن، مقابل قمة تاريخية عند 14,527.50 دولارًا، لتصل مكاسبه منذ بداية العام إلى نحو 15%
ويحظى المعدن بدعم قوي من شح الإمدادات قصيرة الأجل، بعدما اتسع الفارق بين النحاس الفوري والعقود الآجلة خلال الأسبوع الماضي إلى أكثر من 500 دولار للطن
ورغم انحسار الفجوة، لا تزال مرتفعة؛ إذ أصبح عقد سبتمبر أعلى من عقد أكتوبر بنحو 150 دولارًا للطن، ما يعكس استمرار محدودية المعروض الفوري
المخزونات تعيد إشعال المخاوف
رغم وصول كميات كبيرة من النحاس إلى مستودعات بورصة لندن للمعادن خلال الأسبوع الماضي، أعاد طلب سحب أكثر من 50 ألف طن من النحاس المخاوف بشأن الإمدادات إلى الواجهة
وفي الصين، تراجعت المخزونات المسجلة لدى مستودعات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة لليوم الخامس على التوالي، ما يعزز مؤشرات شح المعدن في الأسواق الآسيوية
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المناجم العالمية اضطرابات في إندونيسيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتشيلي، مع تقديرات بفقدان السوق نحو 338 ألف طن من النحاس خلال النصف الأول من العام
الذكاء الاصطناعي يغير معادلة النحاس
لا تقتصر قوة النحاس على أزمة الإمدادات الحالية، إذ يستفيد المعدن من تحول هيكلي في الطلب العالمي
فالتوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء يتطلب كميات ضخمة من النحاس، بينما يحتاج نمو المعروض من المناجم إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة
وهذا الاختلاف بين سرعة نمو الطلب وبطء الاستجابة من جانب المعروض يجعل السوق أكثر حساسية لأي اضطراب جديد في الإنتاج أو المخزونات
كما تراقب الأسواق خطط الولايات المتحدة بشأن فرض رسوم جمركية على واردات النحاس المكرر، بعدما دفعت المخاوف من الرسوم إلى تدفق كميات كبيرة من المعدن نحو الولايات المتحدة واستنزاف المخزونات في مناطق أخرى

المعادن أمام مسارين مختلفين
تبدو الصورة الحالية لأسواق المعادن واضحة في اختلاف المحركات
الذهب ينتظر التضخم الأمريكي والفيدرالي والدولار، بينما النحاس يستفيد من شح الإمدادات والطلب الصناعي المرتبط بالذكاء الاصطناعي والطاقة
وفي الوقت نفسه، تتحرك الفضة والبلاتين والبلاديوم في الاتجاه الصاعد، ما يعكس استمرار الطلب على المعادن النفيسة رغم تراجع الذهب بشكل محدود
ويبقى الذهب أمام اختبار 4,681 دولارًا، بينما يقترب النحاس من 14,527.50 دولارًا، وهي مستويات قد تحدد اتجاه المعدنين خلال الجلسات المقبلة
ومع اجتماع رهانات الفائدة الأمريكية مع اضطرابات المناجم ونقص المخزونات والطلب المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تبدو أسواق المعادن أمام مرحلة جديدة من التقلب، حيث قد يكون التضخم هو المحرك الرئيسي للذهب، بينما يبقى شح النحاس وقوة الطلب مفتاحًا لمواصلة المعدن الصناعي صعوده نحو قمم جديدة
