المعادن تتراجع مع صعود الدولار والعوائد.. والذهب يواجه ضغوطًا رغم مشتريات الصين
تراجعت أسعار المعادن خلال تداولات اليوم الأربعاء، مع تجدد الضغوط القادمة من الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات، ليتراجع الذهب مجددًا بعد محاولة استعادة توازنه من أدنى مستوى في شهرين. وفي المقابل، لا تزال مشتريات البنوك المركزية، وعلى رأسها الصين، توفر دعمًا هيكليًا للسوق وتحد من احتمالات تحول التراجع الحالي إلى موجة هبوط أعمق في سوق المعادن
وسجل الذهب الفوري 4,133.72 دولارًا للأونصة، منخفضًا بنسبة 0.73%، بينما تراجعت العقود الآجلة إلى 4,161.85 دولارًا بنسبة 0.60%. ويأتي ذلك بعد أن لامس المعدن في الجلسة السابقة مستوى قرب 4,104 دولارات، قبل أن يحاول الارتداد، إلا أن عودة الدولار إلى الارتفاع وصعود عوائد السندات أعادا الضغوط إلى السوق وسوق المعادن.
وبالنسبة إلى التحركات السعرية، تراجع الذهب الفوري 0.73% إلى 4,133.72 دولارًا، وهبط الذهب الآجل 0.60% إلى 4,161.85 دولارًا، وانخفضت الفضة 0.90% إلى 61.05 دولارًا، كما تراجع البلاتين 0.61% إلى 1,698.80 دولارًا والبلاديوم 1.14% إلى 1,161 دولارًا، بينما ارتفع خام برنت 0.84% إلى 101.42 دولارًا وصعد خام غرب تكساس الوسيط 0.67% إلى 90.04 دولارًا.

الدولار والعوائد يضغطان على الذهب في سوق المعادن
ويأتي تراجع الذهب مع استقرار مؤشر الدولار عند 101.820 نقطة، بعدما تعرض لضغوط في الجلسة السابقة قبل أن يستعيد جزءًا من قوته. وتؤثر قوة الدولار بصورة مباشرة على أسعار الذهب، إذ تجعل المعدن أكثر تكلفة للمشترين من حائزي العملات الأخرى، وهو ما يحد عادة من الطلب في الأسواق العالمية.
في الوقت نفسه، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى ما فوق 5.30%، بعدما تراجع إلى نحو 5.27% في الجلسة السابقة. ويمثل ارتفاع العوائد أحد أبرز التحديات أمام الذهب، لأن زيادة العائد على السندات ترفع تكلفة الاحتفاظ بالمعدن الذي لا يوفر دخلًا دوريًا.
وتزداد حساسية الذهب لهذه التطورات بعدما شهد في الفترة الأخيرة ارتفاعات قوية، ما يجعل المستثمرين أكثر استعدادًا لجني الأرباح عند ظهور إشارات على استمرار قوة الدولار أو ارتفاع العوائد.
الصين تواصل شراء الذهب للشهر الثالث والعشرين
ورغم الضغوط قصيرة الأجل، يظل الطلب الرسمي عاملًا مهمًا في دعم الذهب. فقد رفع بنك الشعب الصيني حيازاته من الذهب إلى 77.47 مليون أونصة بنهاية سبتمبر، مقارنة بـ76.73 مليون أونصة في أغسطس، بإضافة تقارب 740 ألف أونصة، أو نحو 23 طنًا خلال شهر واحد.
وبذلك واصلت الصين زيادة احتياطياتها من الذهب للشهر 23 على التوالي، في أطول سلسلة شراء متواصلة لها، بينما تمثل زيادة سبتمبر أكبر إضافة شهرية منذ أكتوبر 2023 على الأقل.
واللافت أن قيمة احتياطيات الذهب الصينية تراجعت إلى 323.52 مليار دولار من 350.08 مليار دولار، رغم ارتفاع الكمية المحتفظ بها. ويعكس هذا الانخفاض تأثير تراجع سعر الذهب خلال سبتمبر، وليس عمليات بيع من جانب البنك المركزي، إذ واصلت بكين إضافة الذهب إلى احتياطياتها.
ويشير استمرار هذه المشتريات إلى أن الصين تتعامل مع الذهب كأصل استراتيجي طويل الأجل ضمن سياسة تنويع الاحتياطيات، وليس كأداة لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل من تحركات الأسعار.
الطلب الرسمي يمنح السوق أرضية قوية
وتواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز حضورها في سوق الذهب، حيث بلغت صافي المشتريات المعلنة خلال أغسطس نحو 39 طنًا، بينما وصل إجمالي المشتريات المعلنة خلال العام إلى نحو 170 طنًا.
ويعكس هذا الاتجاه تحولًا هيكليًا في إدارة الاحتياطيات، مع سعي عدد متزايد من البنوك المركزية إلى تقليل الاعتماد على الأصول التقليدية وتنويع مكونات الاحتياطي عبر زيادة حيازة الذهب.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية أكبر في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، إذ ينظر إلى الذهب باعتباره أصلًا احتياطيًا لا يرتبط مباشرة بالتزامات طرف مقابل، ما يجعله أكثر جاذبية في فترات عدم اليقين.
ارتفاع النفط يضيف عنصرًا جديدًا للتضخم
وفي أسواق الطاقة، تحرك النفط في الاتجاه الصاعد، مع ارتفاع برنت إلى 101.42 دولارًا وصعود خام غرب تكساس إلى 90.04 دولارًا.
وقد يمثل ارتفاع أسعار الطاقة سلاحًا ذا حدين بالنسبة للذهب؛ فمن ناحية، يمكن أن يدعم الطلب على المعدن باعتباره أداة للتحوط من التضخم، لكن من ناحية أخرى، قد يؤدي استمرار ارتفاع النفط إلى زيادة مخاوف التضخم ودفع العوائد الأمريكية إلى مستويات أعلى، وهو ما يشكل ضغطًا على الذهب.
وتأتي هذه التطورات في وقت تراقب فيه الأسواق عن كثب مسار التضخم وأسعار الفائدة، إذ أصبحت تحركات عوائد السندات والدولار من أهم المؤشرات التي تحدد اتجاه المعدن خلال الجلسات الأخيرة.
النظرة المقبلة للذهب
يواجه الذهب في الوقت الحالي اختبارًا مهمًا بين ضغوط السوق قصيرة الأجل والدعم الهيكلي القادم من مشتريات البنوك المركزية. فاستمرار الدولار فوق مستويات مرتفعة وعودة عائد العشر سنوات إلى ما فوق 5.30% قد يبقيان الأسعار تحت الضغط، خصوصًا بعد الصعود القوي الذي شهدته السوق خلال الفترة الماضية.
في المقابل، فإن استمرار الصين في شراء الذهب للشهر الثالث والعشرين، إلى جانب استمرار مشتريات البنوك المركزية عالميًا، يشير إلى أن الطلب طويل الأجل لا يزال قويًا، وهو ما قد يساعد على الحد من عمق أي تصحيح جديد.
وبالتالي، تبدو حركة الذهب الحالية أقرب إلى مرحلة إعادة توازن بين قوة العوامل المالية وضغوطها على الأسعار من جهة، واستمرار الطلب الرسمي والاستراتيجي من جهة أخرى. وستظل قدرة المعدن على تجاوز الضغوط الحالية مرتبطة بشكل كبير بمسار الدولار والعوائد الأمريكية، بينما قد يؤدي أي تراجع فيهما إلى إعادة الزخم الصاعد للذهب والمعادن النفيسة.
