العملات الرئيسية تتباين أمام الدولار مع ارتفاع العوائد وترقب بيانات التضخم الأمريكية
استهلت العملات الرئيسية تعاملات الأسبوع على تباين ملحوظ أمام الدولار الأمريكي، الذي واصل الحفاظ على زخمه مدعوماً بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات التضخم الأمريكية التي قد تحدد ملامح السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال النصف الثاني من العام.
ويأتي هذا الأداء في ظل استمرار الاقتصاد الأمريكي في إظهار قدر من المرونة مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة، وهو ما عزز تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول المقومة بالدولار، خاصة مع تراجع رهانات الأسواق على خفض قريب لأسعار الفائدة، وارتفاع التوقعات بإبقاء السياسة النقدية عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.
وفي المقابل، تواجه أسواق العملات العالمية تحديات متزايدة مع اتساع الفجوة بين السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى، الأمر الذي انعكس على أداء اليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني والدولارين الأسترالي والكندي، وسط إعادة تسعير المستثمرين لتوقعاتهم بشأن أسعار الفائدة العالمية.
ويعد ارتفاع العوائد الحقيقية على سندات الخزانة الأمريكية أحد أبرز العوامل التي تدعم الدولار في المرحلة الحالية، بعدما تجاوز العائد الحقيقي على السندات الأمريكية المحمية من التضخم لأجل عشر سنوات مستوى 2.3%، وهو أعلى مستوى في أكثر من عام، في إشارة إلى استمرار قناعة الأسواق بأن أسعار الفائدة الأمريكية ستظل مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً في السابق.
ويعكس هذا الارتفاع ثقة المستثمرين في متانة الاقتصاد الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يزيد من جاذبية الاستثمار في الأصول الدولارية مقارنة بالعملات الأخرى، إذ يحصل المستثمر على عائد أعلى مع مستوى مخاطرة منخفض نسبياً، وهو ما يدفع مزيداً من رؤوس الأموال إلى السوق الأمريكية.

الدولار يواصل الاستفادة من قوة الاقتصاد الأمريكي
لا يزال الدولار الأمريكي المستفيد الأكبر من التطورات الاقتصادية الأخيرة، إذ يجمع بين عاملين مهمين يتمثلان في ارتفاع العوائد واستمرار النمو الاقتصادي، وهو ما جعله الوجهة المفضلة للمستثمرين في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية.
كما عززت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط الطلب على الدولار باعتباره ملاذاً آمناً، خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، الأمر الذي أعاد التضخم إلى صدارة اهتمامات المستثمرين.
وتتوقع الأسواق أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة إذا استمرت الضغوط التضخمية، وهو ما يمنح الدولار دعماً إضافياً أمام معظم العملات الرئيسية.

اليورو تحت ضغط الفجوة في السياسة النقدية
في المقابل، تعرض اليورو لضغوط أمام الدولار، مع استمرار الفجوة بين توجهات البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي.
ورغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية في منطقة اليورو، فإن النمو لا يزال أقل قوة مقارنة بالاقتصاد الأمريكي، كما أن المستثمرين يتوقعون أن يكون البنك المركزي الأوروبي أكثر ميلاً إلى تخفيف السياسة النقدية إذا استمر تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وأدى هذا التباين إلى تقليص جاذبية العملة الأوروبية، خاصة مع استمرار تدفق رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة للاستفادة من العوائد المرتفعة.
الين الياباني يواصل المعاناة
ظل الين الياباني من أكثر العملات تعرضاً للضغوط، نتيجة الفارق الكبير بين العوائد الأمريكية واليابانية.
ففي الوقت الذي يحافظ فيه الاحتياطي الفيدرالي على سياسة نقدية متشددة نسبياً، لا يزال بنك اليابان يتبنى سياسة أكثر مرونة، وهو ما يجعل الاستثمار في الدولار أكثر جاذبية من الاحتفاظ بالين.
كما أن ارتفاع الدولار مقابل الين يعيد الضغوط على السلطات اليابانية، التي تراقب تحركات العملة عن كثب تحسباً لأي تقلبات مفرطة قد تستدعي التدخل في سوق الصرف.
الجنيه الإسترليني يتحرك بحذر
أما الجنيه الإسترليني، فقد تحرك ضمن نطاقات محدودة، إذ يوازن المستثمرون بين استمرار الضغوط التضخمية في المملكة المتحدة ومؤشرات تباطؤ النشاط الاقتصادي.
ويترقب المتعاملون البيانات الاقتصادية البريطانية المقبلة لمعرفة ما إذا كان بنك إنجلترا سيواصل سياسة الفائدة المرتفعة، أم سيبدأ في تبني نهج أكثر مرونة خلال الأشهر المقبلة.
وبين هذين السيناريوهين، يبقى أداء الإسترليني مرتبطاً بشكل كبير بتحركات الدولار وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية.
الدولاران الأسترالي والنيوزيلندي تحت ضغط
تعرض كل من الدولار الأسترالي والدولار النيوزيلندي لضغوط خلال تعاملات الأسبوع، مع تراجع شهية المخاطرة عالمياً وزيادة الإقبال على الدولار.
وتتأثر هاتان العملتان عادة بأداء الاقتصاد الصيني وأسعار السلع الأساسية، إلا أن قوة الدولار وارتفاع العوائد الأمريكية حدّا من قدرتهما على تحقيق مكاسب، رغم استقرار بعض المؤشرات الاقتصادية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

الدولار الكندي يستفيد من النفط
كان الدولار الكندي الأقل تأثراً بين العملات الرئيسية، مستفيداً من الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط، باعتبار كندا واحدة من أكبر الدول المصدرة للخام.
ومع ذلك، فإن مكاسب العملة الكندية ظلت محدودة، إذ واصل الدولار الأمريكي استقطاب تدفقات المستثمرين بفضل قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع العوائد الحقيقية.
العوائد الحقيقية تعيد رسم خريطة أسواق العملات
يرى عدد من مديري الأصول أن العلاقة التقليدية بين الدولار والعوائد الحقيقية عادت بقوة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما شهدت اضطراباً في العام الماضي.
فكلما ارتفعت العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة، زادت جاذبية الدولار، بينما تتراجع العملاات ذات العوائد المنخفضة، وهو ما يفسر الأداء الضعيف لعدد من العملاات الرئيسية أمام العملة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تفرض هذه البيئة تحديات على المستثمرين في سوق السندات، إذ يؤدي ارتفاع العوائد إلى انخفاض أسعار السندات طويلة الأجل، وهو ما يدفع العديد من مديري المحافظ إلى تقليل تعرضهم لهذا النوع من الأصول.
الأسواق تترقب بيانات التضخم الأمريكية
تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين وأسعار المنتجين في الولايات المتحدة، باعتبارهما من أهم المؤشرات التي ستحدد توجهات الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه المقبل.
كما تكتسب شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، أمام الكونغرس أهمية خاصة، إذ ينتظر المستثمرون أي إشارات جديدة بشأن تقييم البنك المركزي لمخاطر التضخم والنمو الاقتصادي.
وفي حال جاءت البيانات أعلى من التوقعات، فقد ترتفع احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة، وهو ما قد يدفع الدولار إلى توسيع مكاسبه أمام العملاات الرئيسية، بينما قد تتعرض العملاات ذات العوائد المنخفضة لمزيد من الضغوط.
أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً في التضخم، فقد تتراجع عوائد السندات الأمريكية، وهو ما قد يمنح اليورو والجنيه الإسترليني والدولارين الأسترالي والنيوزيلندي فرصة لتعويض جزء من خسائرهم الأخيرة.
النظرة المستقبلية
يتفق معظم المحللين على أن اتجاه العملاات خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في مسار التضخم الأمريكي، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، وتطورات الأوضاع الجيوسياسية.
وفي ظل استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع العوائد الحقيقية، يبقى الدولار مرشحاً للحفاظ على تفوقه في المدى القريب، إلا أن أي تغير في توقعات السياسة النقدية أو تراجع الضغوط التضخمية قد يعيد التوازن إلى أسواق العملاات العالمية ويفتح المجال أمام تعافي العملاات الرئيسية مقابل العملة الأمريكية.
