الأسواق تدخل مرحلة “بيع أمريكا” وسط تصعيد جرينلاند وانفجار القلق العالمي
دخلت الأسواق العالمية صباح الثلاثاء في موجة بيع واسعة للأصول الأمريكية، بعدما فجّر التصعيد السياسي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من القادة الأوروبيين حول ملف جرينلاند حالة من الذعر في الأسواق، وأعاد إلى الواجهة سيناريوهات الصدام التجاري والجيوسياسي بين ضفتي الأطلسي.
هذا التصعيد لم يُنظر إليه كحدث سياسي عابر، بل كعامل خطر مباشر على استقرار النظام المالي العالمي، ما دفع المستثمرين إلى التحرك السريع لإعادة تسعير محافظهم وتقليص انكشافهم على الدولار والأسهم الأمريكية.
انهيار في السندات والدولار… وإشارات خروج رأس المال
شهدت سوق السندات الأمريكية عمليات بيع قوية أدت إلى قفزة حادة في العوائد، وهو ما يعكس خروجًا مكثفًا لرؤوس الأموال من أدوات الدين الأمريكية، في إشارة إلى تراجع الثقة في الأصول المقومة بالدولار.
في الوقت نفسه، تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنحو 1% أمام سلة من العملات الرئيسية، في حين ارتفع اليورو 0.6%، ما يؤكد أن المستثمرين بدأوا بالفعل بتحويل مراكزهم بعيدًا عن العملة الأمريكية.
وفي هذا السياق، وصف كريشنا جها، رئيس استراتيجية السياسة العالمية في Evercore ISI، ما يحدث بأنه عودة واضحة لموجة “بيع أمريكا” ضمن بيئة عالمية يسودها العزوف عن المخاطر وإعادة توزيع رؤوس الأموال.

الذهب والفضة يقودان الهروب إلى الأمان
مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية والمالية، اندفعت السيولة بقوة نحو المعادن النفيسة، حيث سجل كل من الذهب والفضة قممًا تاريخية جديدة، وسط طلب تحوطي كثيف من الصناديق والمؤسسات.
ويتجه الذهب لتحقيق أكبر مكسب يومي له منذ عام 2020، في مشهد يعكس تحوّل المستثمرين من البحث عن العائد إلى البحث عن الحماية من الصدمات.
وول ستريت تحت الضرب… والمؤشرات تدخل مرحلة ذعر
في المقابل، تعرضت الأسهم الأمريكية لموجة بيع عنيفة، مع تسارع عمليات الخروج من الأصول عالية المخاطر. فقد خسر مؤشر داو جونز أكثر من 800 نقطة، بينما تراجع كل من S&P 500 وناسداك بأكثر من 2%، في واحدة من أسوأ الجلسات خلال الأشهر الأخيرة.
كما قفز مؤشر التقلبات VIX، المعروف بـ”مؤشر الخوف”، إلى أعلى مستوى له منذ نوفمبر، ما يعكس دخول السوق في مرحلة قلق حاد وعدم يقين.
الشرارة: جرينلاند والرسوم الجمركية
تعود جذور هذه الصدمة إلى إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية، ضمن ضغوطه السياسية المتعلقة بملف جرينلاند، مع تهديد برفعها إلى 25% بدءًا من 1 يونيو، بعد دخولها حيز التنفيذ في 1 فبراير.
هذا التصعيد دفع الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ للدول الـ27، في خطوة تعكس جدية المخاوف من انزلاق العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وبروكسل إلى مواجهة مفتوحة.
خلاصة
ما تشهده الأسواق اليوم ليس مجرد تقلب عابر، بل تحوّل استراتيجي في اتجاه رؤوس الأموال العالمية. المستثمرون يعيدون تقييم اعتمادهم على الأصول الأمريكية، ويتجهون بقوة نحو الملاذات الآمنة، في ظل عالم يتجه نحو مزيد من الانقسام السياسي وعدم اليقين المالي.


