الذهب يرتد من خسائره الحادة مع تراجع الدولار وترقب قرار الفيدرالي
استعادت أسعار الذهب جزءًا من خسائرها خلال تعاملات الخميس، بعدما دفعت بيانات التضخم الأمريكية الأقوى من المتوقع المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة، في وقت تراجع فيه الدولار الأمريكي، ما منح المعادن النفيسة فرصة لالتقاط الأنفاس عقب موجة بيع حادة هددت بدفع المعدن الأصفر إلى ما دون مستوى 4,000 دولار للأونصة.
وجاء هذا التعافي بعد ضغوط قوية تعرضت لها الأسواق، مع تزايد المخاوف من أن استمرار ارتفاع التضخم قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشددًا، أو حتى رفع أسعار الفائدة مجددًا، وهو ما يشكل تحديًا للأصول التي لا تدر عائدًا، وفي مقدمتها الذهب.
وبحلول الساعة 05:43 صباحًا، ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1% إلى 4,146.48 دولار للأونصة، فيما صعدت العقود الآجلة للذهب بنسبة 1.5% إلى 4,167.75 دولار. وامتد الارتفاع إلى بقية المعادن النفيسة، إذ زادت الفضة بنسبة 1% إلى 56.1965 دولار للأونصة، وصعد البلاتين بنسبة 0.8% إلى 1,615.52 دولار، بينما ارتفع البلاديوم بنسبة 1.3% إلى 1,110.52 دولار. في المقابل، تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.5% إلى 102.09، ما خفف بعض الضغوط على المعادن المقومة بالعملة الأمريكية.
التضخم الأمريكي يعيد مخاوف التشديد النقدي
لم يكن تعافي الذهب كافيًا لمحو آثار موجة البيع السابقة، التي دفعت الأسعار إلى التراجع بأكثر من 1.6% في جلسة واحدة، فيما اقتربت الفضة من تسجيل خسائر بلغت 6% خلال الجلسة السابقة. وجاءت هذه التحركات بعدما أظهرت بيانات التضخم الأمريكية ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.6% على أساس شهري في سبتمبر، وهي أسرع زيادة منذ أبريل، مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع تكاليف الطاقة.
وأعادت هذه القراءة تسليط الضوء على صعوبة احتواء الضغوط التضخمية في ظل اضطرابات إمدادات الطاقة المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية، إذ يمكن لاستمرار ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة أن ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات، ويحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية.
وانعكس ذلك سريعًا على توقعات الأسواق، إذ ارتفع الاحتمال الضمني لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع أكتوبر إلى نحو 30%، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا يأخذون احتمال استئناف التشديد النقدي على محمل الجد، بدلًا من افتراض أن دورة السياسة النقدية ستتجه بالضرورة نحو التيسير.
وتكمن أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى الذهب في أن ارتفاع الفائدة يزيد جاذبية الأصول المدرة للعائد، مثل السندات، مقارنة بالمعدن الأصفر الذي لا يوفر عائدًا دوريًا. كما أن قوة الدولار تجعل شراء الذهب أكثر تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وهو ما قد يحد من الطلب العالمي عليه.

الحرب وأسعار الطاقة تضغطان على المعدن الأصفر
تعكس خسائر الذهب منذ تصاعد اضطرابات إمدادات الطاقة حجم التحول في العوامل المؤثرة في السوق. فعلى الرغم من أن التوترات الجيوسياسية تدعم عادة الطلب على الملاذات الآمنة، فإن تأثيرها الحالي أصبح أكثر تعقيدًا، مع انتقال المخاوف من تداعيات الحرب إلى التضخم وأسعار الفائدة وتكاليف التمويل.
وفقد المعدن الأصفر أكثر من 20% من قيمته منذ بدء هذه الاضطرابات، في تحرك يوضح كيف يمكن لارتفاع المخاطر الجيوسياسية أن يتحول إلى عامل ضغط على الذهب عندما يؤدي إلى زيادة توقعات التضخم وتشديد السياسة النقدية.
وفي هذا السياق، وصف أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أحدث بيانات التضخم بأنها مخيبة للآمال، محذرًا من أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تضيف مزيدًا من الضغوط إلى الاقتصاد، إذا أسهمت في زيادة الطلب بوتيرة تفوق قدرة العرض على مواكبته.
وأشار غولسبي إلى أن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم على ما إذا كانت أسعار الفائدة الحالية مرتفعة بما يكفي لإعادة التضخم إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وتزيد هذه التصريحات من أهمية البيانات الاقتصادية المقبلة، إذ ستحدد مؤشرات التضخم والنشاط الاقتصادي مدى الحاجة إلى الإبقاء على سياسة نقدية مشددة لفترة أطول.
وارش تحت المجهر قبل اجتماع أكتوبر
تتجه أنظار المستثمرين إلى تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، بحثًا عن إشارات أوضح بشأن تقييم البنك المركزي لمخاطر التضخم ومسار الفائدة خلال الفترة المقبلة. ومن المقرر أن يلقي وارش كلمة في وقت متأخر من مساء الخميس بتوقيت الرياض، خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي في بانكوك، قبل دخول مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي فترة الصمت الإعلامي يوم السبت، استعدادًا لاجتماع السياسة النقدية المقرر يومي 27 و28 أكتوبر.
وقد تكون نبرة وارش عاملًا مؤثرًا في تحديد اتجاه الذهب على المدى القصير، خصوصًا إذا تضمنت تصريحاته إشارات إلى استمرار الضغوط التضخمية أو الحاجة إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة. وفي المقابل، فإن أي مؤشرات على أن البنك المركزي يفضل التريث في اتخاذ خطوات إضافية قد تساعد المعدن الأصفر على توسيع مكاسبه.
ومع ذلك، يبقى اتجاه السوق مرتبطًا أيضًا بتطورات الحرب وأسعار الطاقة وحركة الدولار وعوائد السندات الأمريكية، إذ يمكن لهذه العوامل أن تتغلب مؤقتًا على أثر البيانات الاقتصادية أو التصريحات النقدية.
مستقبل الذهب بين الطلب الرسمي ومسار الفائدة
على الرغم من التصحيح الحاد الذي شهدته الأسعار، لا تزال التوقعات طويلة الأجل للذهب مرتبطة بعدة عوامل، أبرزها استمرار مشتريات البنوك المركزية، واتجاه أسعار الفائدة والدولار، ومدى استعداد المستثمرين للاحتفاظ بالأصول الآمنة وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
وقال ريك كاندا، المدير التنفيذي لشركة The Gold Bullion Company، إن أداء الذهب خلال عام 2027 سيتوقف على كيفية تطور هذه العوامل، ولا سيما قدرة الطلب من البنوك المركزية على الاستمرار في دعم السوق، إلى جانب مسار السياسة النقدية الأمريكية وسلوك المستثمرين.
وحذر كاندا من التعامل مع التوقعات السعرية باعتبارها نتائج مضمونة، رغم إمكانية تحقيق الذهب مزيدًا من المكاسب مستقبلًا. وتكتسب هذه النظرة أهمية في ظل التقلبات الحالية، التي أظهرت أن المعدن الأصفر قد يتعرض لضغوط قوية حتى في أوقات التوترات الجيوسياسية، إذا دفعت تداعياتها التضخمية الأسواق إلى توقع أسعار فائدة أعلى.
وبذلك، يدخل الذهب مرحلة تتحدد فيها قدرته على استعادة الزخم من خلال توازن دقيق بين تراجع الدولار والطلب على الملاذات الآمنة من جهة، ومخاطر التضخم وتشدد السياسة النقدية من جهة أخرى. وسيكون موقف الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماع أكتوبر، إلى جانب تطورات أسواق الطاقة، من أبرز العوامل التي ستحدد ما إذا كان الارتداد الحالي بداية لتعافٍ أوسع أم مجرد توقف مؤقت بعد موجة البيع الأخيرة.
