الذهب يستعيد توازنه قرب 4,600 دولار مع ترقب خطاب وارش وتصاعد رهانات الفائدة
استعادت أسعار الذهب بعض الزخم خلال تعاملات الخميس، لتتحرك مجددًا قرب مستوى 4,600 دولار للأوقية، في وقت يترقب فيه المستثمرون خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في مؤتمر جاكسون هول، بحثًا عن إشارات واضحة بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية وأسعار الفائدة
ويأتي هذا التحرك بعد جلسة اتسمت بالضغط على المعدن النفيس، إذ أنهى الذهب تعاملات الأربعاء منخفضًا بنحو 1.4%، منهياً سلسلة مكاسب امتدت لخمس جلسات متتالية، بعدما أعادت بيانات التضخم الأمريكية إشعال المخاوف من استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول
الذهب يعود للصعود والدولار يتحرك في نطاق محدود
عند الساعة 08:28 صباحًا بتوقيت المملكة العربية السعودية، ارتفع سعر الذهب الفوري XAU/USD بنسبة 0.6% إلى 4,620.68 دولار للأوقية، بينما صعدت العقود الآجلة للذهب بنسبة 0.5% إلى 4,674.71 دولار
وامتدت المكاسب إلى بقية المعادن النفيسة، إذ ارتفعت الفضة XAG/USD بنسبة 1.4% إلى 69.10 دولار للأوقية، بينما صعد البلاتين XPT/USD بنسبة 0.9% إلى 1,852.00 دولار
في المقابل، تحرك مؤشر الدولار الأمريكي بشكل شبه مستقر عند 99.14 نقطة، وهو ما منح الذهب مساحة لاستعادة جزء من خسائره الأخيرة
ويعكس هذا الأداء محاولة السوق الموازنة بين عاملين متعارضين؛ الأول يتمثل في ارتفاع توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، والثاني في استمرار المخاوف المتعلقة بالدولار والسياسة المالية الأمريكية، وهي عوامل تمنح الذهب دعمًا على المدى المتوسط والطويل
بيانات التضخم تعيد الضغط على الذهب
كان التضخم الأمريكي المحرك الأبرز لموجة التراجع الأخيرة في الذهب، بعدما أظهرت بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي أن ضغوط الأسعار لا تزال أعلى من المستوى الذي يستهدفه الاحتياطي الفيدرالي
وسجل المؤشر ارتفاعًا سنويًا بنسبة 3.7% خلال يوليو، دون تغيير عن قراءة يونيو، لكنه جاء أعلى قليلًا من توقعات الاقتصاديين عند 3.6%
وأعادت هذه القراءة إلى الأسواق مخاوفها من أن يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، بل ودفعت بعض المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على رفع الفائدة في سبتمبر
وارتفعت احتمالية رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل إلى نحو 40%، مقابل حوالي 36% قبل صدور البيانات
وهذا التطور يشكل تحديًا للذهب، لأن ارتفاع العوائد على الأصول المقومة بالدولار يزيد تكلفة الاحتفاظ بالمعدن الذي لا يقدم عائدًا دوريًا، كما أن قوة الدولار تجعل الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يتعاملون بعملات أخرى

الاقتصاد الأمريكي لا يزال صامدًا
لم تكن بيانات التضخم وحدها التي دعمت موقف المتشددين في السوق، إذ أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة استمرار قدر من المرونة في الاقتصاد الأمريكي
وظل نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني عند 1.5%، بينما ارتفع الدخل الشخصي بنسبة 0.4% خلال يوليو، في حين استقر الإنفاق الاستهلاكي
وتمنح هذه البيانات الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للحفاظ على سياسة نقدية حذرة، خصوصًا إذا استمر التضخم أعلى من هدفه البالغ 2%
وبالتالي، أصبح الدهب أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فكلما ازدادت قوة الاقتصاد الأمريكي واستمر التضخم مرتفعًا، ارتفعت احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة، وهو ما قد يحد من مكاسب المعدن النفيس على المدى القصير
خطاب وارش يحدد اتجاه السوق
تتجه أنظار الأسواق الآن إلى خطاب كيفن وارش في مؤتمر جاكسون هول يوم الجمعة، والذي يمثل أحد أهم الاختبارات بالنسبة للمستثمرين في هذه المرحلة
وسيحاول المتداولون معرفة ما إذا كان وارش سيقدم إشارات تميل إلى التشديد النقدي، أم سيفتح الباب أمام تخفيف السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة
وتكتسب تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي أهمية مضاعفة في ظل ارتفاع التضخم واستمرار قوة الاقتصاد، إذ إن أي إشارة إلى استمرار الفائدة المرتفعة قد تدفع الدولار وعوائد سندات الخزانة إلى الصعود مجددًا، وهو سيناريو قد يعيد الضغط على الدهب
أما إذا حمل الخطاب إشارات أكثر مرونة بشأن الفائدة، فقد يحصل الذهب على دفعة جديدة، خصوصًا أن المعدن لا يزال يحتفظ بمكاسب قوية خلال الشهر الحالي
الخزانة الأمريكية تضيف عاملًا جديدًا لصالح الذهب
في الجانب الآخر، لا تتحرك أسواق الدهب وفق توقعات الفائدة وحدها
فقد أصبحت السياسة المالية الأمريكية وعمليات إعادة شراء سندات الخزانة عاملًا مهمًا في تحديد اتجاه الدولار والعوائد طويلة الأجل
وتضاعف وزارة الخزانة الأمريكية عمليات إعادة شراء الديون المخططة ذات الآجال الأطول، وهو تحرك أثار نقاشًا حول تأثير السياسة المالية على سيولة الأسواق وعوائد السندات وقوة الدولار
ويرى بعض المستثمرين أن استمرار العجز المالي والاقتراض الحكومي المرتفع قد يشكلان مصدر ضغط على القوة الشرائية للدولار بمرور الوقت، وهو ما يعزز جاذبية الدهب كأداة للتحوط
وهنا تظهر المفارقة في السوق؛ فبينما يدعم التضخم المرتفع توقعات الفائدة ويضغط على الدهب، فإن المخاوف المتعلقة بالسياسة المالية والدولار توفر للمعدن النفيس دعمًا مضادًا
الذهب يحتفظ بالزخم رغم تراجع الأربعاء
على الرغم من خسارة الذهب 1.4% في جلسة الأربعاء، لا تزال الصورة العامة أكثر إيجابية مما يوحي به التراجع اليومي
فالذهب ارتفع بنحو 14% خلال الشهر الجاري، كما لا يزال يتداول أعلى متوسطه المتحرك لـ200 يوم، وهو مؤشر فني يحظى بمتابعة واسعة لتقييم الاتجاه طويل الأجل
كما شهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات قوية خلال موجة الصعود الأخيرة، بالتزامن مع استمرار مشتريات البنوك المركزية وارتفاع المخاوف بشأن استدامة السياسة المالية الأمريكية
وتشير هذه العوامل إلى أن عمليات البيع الحالية قد تكون أقرب إلى إعادة تموضع وجني أرباح منها إلى تحول واضح في الاتجاه طويل الأجل، ما لم تؤكد البيانات القادمة تحولًا أكثر تشددًا في توقعات أسعار الفائدة
الفضة والبلاتين يستفيدان من تحسن شهية المعادن
لم يقتصر التحسن على الذهب، إذ سجلت الفضة مكاسب أقوى خلال تعاملات الخميس بارتفاعها 1.4% إلى 69.10 دولار للأوقية، بينما ارتفع البلاتين 0.9% إلى 1,852 دولارًا
ويشير الأداء المتزامن للمعادن النفيسة إلى عودة بعض الطلب إلى القطاع بعد موجة جني الأرباح الأخيرة، إلا أن اتجاه الدولار والعوائد الأمريكية سيظل العامل الأكثر تأثيرًا على تحركاتها خلال الفترة المقبلة
ماذا ينتظر الذهب بعد خطاب وارش؟
يدخل الدهب المرحلة المقبلة وهو عالق بين قوة التضخم الأمريكي والمخاوف المتزايدة بشأن الدولار والسياسة المالية
فإذا أظهر وارش تمسكًا واضحًا بسياسة نقدية متشددة، فقد نشهد ارتفاعًا في الدولار والعوائد، وهو ما قد يضغط على الدهب ويزيد احتمالات التصحيح
أما إذا جاءت تصريحاته أكثر مرونة، فقد تعود شهية الشراء بقوة، خصوصًا مع استمرار التدفقات الاستثمارية والطلب الرسمي والمخاوف المالية
وبذلك، لا يمثل خطاب جاكسون هول مجرد حدث اقتصادي عابر، بل قد يكون نقطة فاصلة في تحديد ما إذا كان الذهب سيستأنف موجته الصاعدة بعد التراجع الأخير، أم يدخل في مرحلة تصحيح أوسع

الذهب يستعيد توازنه قرب 4,600 دولار، لكن اتجاهه المقبل سيبقى رهينًا بتفسير الأسواق لخطاب وارش، ومسار التضخم والعوائد والدولار. ومع بقاء المعدن أعلى متوسطه لـ200 يوم واحتفاظه بمكاسب شهرية قوية، لا تزال الصورة طويلة الأجل داعمة، بينما يبقى خطر التصحيح قائمًا إذا تعززت رهانات رفع الفائدة الأمريكية
