الغاز الأوروبي عند قمم قياسية مع تصاعد مخاطر هرمز واقتراب الشتاء
واصلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وبريطانيا تحركها قرب أعلى مستوياتها في عدة سنوات خلال تعاملات الخميس، بعدما سجلت قفزة قوية في الجلسة السابقة، وسط تصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية وتزايد المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة في الخليج العربي، في وقت تستعد فيه الأسواق لدخول موسم الشتاء الذي عادة ما يشهد ارتفاعاً في الطلب على الغاز.
وأظهرت أحدث التعاملات ارتفاع عقد الغاز الهولندي القياسي للشهر الأمامي بنسبة 0.5% إلى 79.64 يورو لكل ميغاواط ساعي، ليظل قريباً من أعلى مستوياته منذ عام 2023 الذي سجله في جلسة الأربعاء. وفي بريطانيا، صعد عقد الغاز بالجملة المكافئ NBP بنسبة 0.6% إلى 198 بنساً لكل ثيرم، مقترباً من مستوى 200 بنس الذي يمثل حاجزاً نفسياً وفنياً مهماً للمستثمرين.

التحركات السعرية للغاز خلال تعاملات اليوم 10 سبتمبر
السوق | العقد | السعر | التغير | الاتجاه |
|---|---|---|---|---|
أوروبا | الغاز الهولندي TTF للشهر الأمامي | 79.64 يورو/MWh | +0.5% | ارتفاع |
بريطانيا | الغاز البريطاني NBP | 198.00 بنس/ثيرم | +0.6% | ارتفاع |
وتعكس هذه المستويات استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية في تسعير الغاز، خصوصاً مع تحول التطورات العسكرية في الخليج إلى عامل مباشر في حسابات شركات الطاقة والمرافق، بعدما أصبحت احتمالات اضطراب خطوط الإمداد والشحن أكثر حضوراً في توقعات السوق.
وتتزايد حساسية أسعار الغاز الأوروبي تجاه التطورات في المنطقة بسبب الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ولا سيما الشحنات القادمة من قطر. وأي قيود طويلة الأمد على حركة السفن أو زيادة حادة في تكاليف التأمين والشحن قد تعيد تشكيل خريطة إمدادات الغاز الأوروبي بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
ومع بقاء أسعار النفط الخام فوق 100 دولار للبرميل، تواجه شركات المرافق الأوروبية بيئة أكثر تعقيداً في سوق الغاز الطبيعي المسال، إذ تضطر إلى منافسة المشترين الآسيويين على الشحنات الفورية وغير المرتبطة بعقود طويلة الأجل في حوض الأطلسي. ويعني ذلك أن أي تصعيد إضافي في الخليج قد يرفع تكلفة تأمين الإمدادات الأوروبية، خصوصاً مع اقتراب موسم الطلب المرتفع.
مخزونات أوروبا تضيف إلى الضغوط
تأتي القفزة الأخيرة في الأسعار بينما لا تزال أوروبا تدخل المرحلة الأخيرة من موسم إعادة ملء مخزونات الغاز بوسادة أمان أقل من المعتاد. وتبلغ مستويات التخزين نحو 62% من الطاقة الاستيعابية، أي أقل بنحو 17 نقطة مئوية من متوسط السنوات الخمس الأخيرة للفترة نفسها.
ويمثل هذا الفارق عاملاً مهماً في تحديد سلوك السوق، إذ إن انخفاض المخزونات قبل بدء الشتاء يجعل أوروبا أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار في حال تراجع تدفقات الغاز الطبيعي المسال أو ارتفع الاستهلاك بفعل موجات البرد.
كما أن انخفاض مستويات التخزين يعني أن الأسواق قد تضطر إلى تسعير علاوة إضافية للمخاطر خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً إذا ظلت الأسعار العالمية للنفط والغاز مرتفعة بالتزامن مع استمرار التوترات العسكرية.
الغاز يضع سياسة البنك المركزي الأوروبي تحت الضغط
يتزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع قرار مرتقب للبنك المركزي الأوروبي بشأن السياسة النقدية، ما يزيد صعوبة الموازنة أمام صانعي السياسة. فقد اقتربت الأسواق من تسعير كامل لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بما يرفع معدل الفائدة على الودائع إلى 2.50%.
ويأتي ارتفاع تكاليف الغاز والطاقة في توقيت حساس للبنك المركزي، لأن استمرار صعود أسعار الطاقة قد لا يقتصر تأثيره على فواتير المستهلكين والصناعة، بل يمكن أن يمتد إلى معدلات التضخم الأساسية عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والخدمات.
ولهذا السبب، فإن استمرار الغاز الأوروبي عند مستويات مرتفعة لفترة أطول قد يعقد مهمة البنك المركزي في احتواء الضغوط التضخمية، خاصة إذا تحولت صدمة أسعار الطاقة من تأثير مباشر ومؤقت إلى موجة أوسع من ارتفاع الأسعار والأجور.
200 بنس في بريطانيا تحت المجهر
في السوق البريطانية، يقترب سعر عقد NBP من حاجز 200 بنس لكل ثيرم، ما يجعل تجاوز هذا المستوى عاملاً مهماً من الناحية النفسية للسوق. وقد يؤدي اختراقه إلى زيادة الزخم الشرائي، خصوصاً في حال استمرار ضعف المخزونات الأوروبية وارتفاع المنافسة على الشحنات الفورية.
أما في سوق TTF، فإن بقاء العقد قرب أعلى مستوياته منذ 2023 يعكس اتساع نطاق المخاطر التي يضعها المستثمرون في حساباتهم، من أمن الإمدادات إلى تكاليف الشحن والتأمين واحتمالات تراجع تدفقات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج.
وبصورة عامة، لم تعد حركة الغاز الأوروبي مرتبطة فقط بعوامل الطقس والمخزونات والطلب الصناعي، بل أصبحت التطورات الجيوسياسية ومخاطر الملاحة البحرية جزءاً أساسياً من آلية تسعير السوق. ومع اقتراب الشتاء، قد يؤدي أي اضطراب إضافي في إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى دفع الأسعار نحو مستويات أعلى، بينما ستظل قدرة أوروبا على تعزيز المخزونات خلال الأسابيع المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد مدى استدامة موجة الصعود الحالية.
