الذهب يستعيد توازنه بعد صدمة الوظائف.. رهانات الفائدة تهبط والنفط يهدد المكاسب
عاد الذهب إلى الارتفاع مع بداية الأسبوع، مستفيداً من تحول حاد في توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، بعدما كشفت بيانات الوظائف عن ضعف مفاجئ في سوق العمل وأجبرت المستثمرين على تقليص رهاناتهم على رفع الفائدة خلال أكتوبر. غير أن هذا الدعم لم يفتح الطريق أمام صعود مريح للمعدن، في ظل استمرار ارتفاع أسعار النفط وبقاء عوائد سندات الخزانة عند مستويات مرتفعة.
وارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.30% إلى 4,153.66 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 11:40 مساءً، ليحاول استعادة بعض ما فقده خلال الأسبوع الماضي، عندما تراجع بنسبة 3.40% في أكبر خسارة أسبوعية له منذ يونيو.
وامتد التحسن إلى بقية المعادن النفيسة، إذ ارتفعت الفضة بنسبة 1.30% إلى 61.15 دولاراً للأوقية، بينما تحرك البلاتين والبلاديوم أيضاً في المنطقة الخضراء، في وقت حافظ فيه الدولار على استقراره بعد ثلاثة أسابيع متتالية من المكاسب.

الوظائف الأمريكية تقلب موازين السوق
جاء التحول الأبرز في سوق الذهب بعد تقرير الوظائف الأمريكي الذي كشف عن إضافة 29 ألف وظيفة غير زراعية فقط خلال سبتمبر، وهو مستوى جاء دون توقعات المحللين وأعاد المخاوف بشأن تباطؤ سوق العمل إلى واجهة الأسواق.
وكانت التوقعات قبل صدور البيانات تميل إلى استمرار التشدد النقدي، لكن الأرقام الجديدة دفعت المستثمرين إلى إعادة تسعير مسار الفائدة بسرعة.
فقد تراجعت احتمالات رفع أسعار الفائدة في أكتوبر إلى نحو 20%، بعدما كانت تقترب من 70% قبل أسبوع واحد فقط.
ويمنح هذا التغير الذهب دعماً مهماً، إذ إن انخفاض توقعات الفائدة يقلل من جاذبية الأصول التي توفر عائداً مقارنة بالمعدن النفيس، ويخفض في الوقت نفسه تكلفة الاحتفاظ بالذهب.
لكن السوق لم تتعامل مع بيانات الوظائف باعتبارها انتصاراً كاملاً للذهب، لأن ضعف سوق العمل جاء في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية قائمة.
النفط يعيد المخاوف التضخمية إلى الواجهة
بينما حصل الذهب على دفعة من ضعف الوظائف، وجد نفسه أمام عامل معاكس يتمثل في ارتفاع أسعار النفط.
وتتزايد المخاوف في الأسواق من تأثير التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على إمدادات الطاقة، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في اليمن والتوتر بين الأطراف المدعومة من السعودية وإيران.
ويمثل النفط المرتفع تحدياً مزدوجاً أمام المستثمرين.
فمن جهة، تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى زيادة الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات عدم اليقين. ومن جهة أخرى، قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم، وهو ما قد يدفع صناع السياسة النقدية إلى تأجيل أي تحول نحو سياسة أكثر تيسيراً.
وهنا تكمن واحدة من أهم المفارقات التي تحكم حركة الذهب حالياً: التوترات الجيوسياسية تدعم المعدن، لكنها في الوقت نفسه ترفع النفط الذي قد يعيد الضغط على الفائدة.
عوائد السندات تقيد صعود المعدن الأصفر
لا تزال عوائد سندات الخزانة الأمريكية المرتفعة عاملاً مهماً في الحد من قدرة الذهب على تحقيق مكاسب أكبر.
فالمعدن الأصفر لا يوفر دخلاً دورياً، وبالتالي تصبح المنافسة مع السندات أكثر صعوبة عندما ترتفع العوائد التي يحصل عليها المستثمرون من أدوات الدخل الثابت.
وتزداد حساسية الذهب تجاه هذه العوائد في المرحلة الحالية، لأن المستثمرين يحاولون معرفة ما إذا كان ضعف الوظائف سيكون كافياً لتغيير موقف السياسة النقدية، أم أن استمرار التضخم سيجبر الاحتياطي الفيدرالي على الحفاظ على الفائدة عند مستويات مرتفعة.
ولهذا، فإن تراجع عوائد السندات سيكون بمثابة دفعة إضافية للذهب، بينما قد يؤدي استمرار ارتفاعها إلى الحد من أي موجة صعود جديدة.
محضر اجتماع سبتمبر يقترب من دائرة الضوء
تترقب الأسواق صدور محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر، والذي قد يوفر إشارات مهمة حول مستقبل السياسة النقدية الأمريكية.
ويبحث المستثمرون عن أي مؤشرات تكشف مدى قلق صانعي السياسة من ضعف سوق العمل مقارنة بمخاطر التضخم.
فإذا أظهر المحضر أن المسؤولين بدأوا يمنحون سوق العمل وزناً أكبر في قراراتهم، فقد تتراجع توقعات التشديد النقدي بصورة أكبر، وهو ما سيكون إيجابياً للذهب.
أما إذا أكدت المناقشات استمرار القلق بشأن التضخم، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الطاقة، فقد تعود رهانات الفائدة المرتفعة إلى الواجهة، بما قد يعيد الضغط على المعدن.
الذهب يحاول تجاوز خسائر الأسبوع الماضي
يأتي التحسن الحالي بعد موجة بيع قوية تعرض لها الذهب خلال الأسبوع الماضي، عندما فقد 3.40% من قيمته.
وكانت الضغوط آنذاك مدفوعة بارتفاع العوائد وتجدد المخاوف بشأن التضخم، إلى جانب توقعات استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة لفترة أطول.
لكن بيانات الوظائف الأخيرة غيرت المشهد جزئياً، وأعادت المستثمرين إلى البحث عن فرص شراء بعد التراجع الحاد.
ولا يزال الذهب بحاجة إلى تأكيدات إضافية حتى يتحول هذا الارتداد إلى اتجاه صاعد جديد، خصوصاً أن العوامل التي ضغطت عليه خلال الأسابيع الماضية لم تختف بالكامل.
الفضة تستعيد الزخم بعد هبوط حاد
تحركت الفضة بقوة أكبر من الذهب خلال بداية الأسبوع، بعدما سجلت خسارة أسبوعية تجاوزت 6% في الأسبوع السابق.
وارتفعت الفضة بنسبة 1.30% إلى 61.15 دولاراً للأوقية، في محاولة لتعويض جزء من خسائرها الأخيرة.
ويأتي هذا التعافي بالتزامن مع ارتفاع البلاتين والبلاديوم، ما يعكس تحسناً عاماً في معنويات المستثمرين تجاه المعادن النفيسة.
لكن الفضة تظل أكثر ارتباطاً من الذهب بتوقعات النشاط الصناعي والطلب العالمي، وهو ما يجعل استمرار مكاسبها مرتبطاً أيضاً بصورة الاقتصاد العالمي وليس فقط بمسار الفائدة الأمريكية.
أسبوع حاسم أمام الذهب
دخل الذهب الأسبوع الجديد بزخم مختلف عن الأسبوع الماضي، بعدما انتقلت الأسواق من التركيز على احتمال رفع الفائدة إلى مراقبة مخاطر تباطؤ سوق العمل.
وتراجع احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر إلى نحو 20% يمثل تحولاً كبيراً، لكنه لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً أمام الذهب.
فأسعار النفط المرتفعة قد تعيد إشعال التضخم، وعوائد السندات لا تزال مرتفعة، بينما يظل الدولار عاملاً إضافياً يمكن أن يغير اتجاه المعدن بسرعة.
وبالتالي، يحتاج الذهب إلى اجتماع عدة عوامل حتى يستعيد اتجاهه الصاعد بقوة: استمرار ضعف البيانات الاقتصادية، تراجع عوائد السندات، وانحسار رهانات التشديد النقدي.
وفي المقابل، فإن ارتفاع النفط واستمرار التضخم قد يبقيان السوق في حالة شد وجذب، ويجعلان أي صعود للذهب عرضة لتقلبات حادة.
ويبدو أن المعدن الأصفر بدأ الأسبوع بمحاولة استعادة توازنه، لكن المعركة الحقيقية ستدور حول ما إذا كان ضعف سوق العمل الأمريكي سيصبح العامل الأقوى في تحديد السياسة النقدية، أم أن التضخم والطاقة سيواصلان فرض نفوذهما على الأسواق.
