واشنطن تعيد إحياء «محاكم الغنائم» لمصادرة ناقلات النفط الإيرانية وتسريع بيع الشحنات
تستعد وزارة العدل الأمريكية لإعادة استخدام مسار قضائي بحري نادر يعود بجذوره إلى الحروب البحرية القديمة، في خطوة تستهدف تسريع التعامل القانوني مع ناقلات النفط الإيرانية والشحنات المصادرة ضمن الضغوط الأمريكية المتزايدة على طهران.
وبحسب أشخاص مطلعين على الخطط، تعمل الوزارة على إحياء ما يعرف بـ**«محاكم الغنائم» أو Prize Courts**، وهي آلية تسمح بالنظر في ملكية السفن والبضائع التي تتم مصادرتها خلال النزاعات، تمهيدًا لاعتبارها غنائم لصالح الولايات المتحدة وبيعها وتحويل صافي العائدات إلى الخزانة الأمريكية. ولا تزال الخطة قيد الإعداد ولم تحصل بعد على صورتها النهائية.

ما هي محاكم الغنائم التي تريد واشنطن إعادتها؟
محاكم الغنائم ليست نظامًا قضائيًا جديدًا بالمعنى التقليدي، وإنما اختصاص بحري قديم يمكن للمحاكم الفيدرالية الأمريكية ممارسته في القضايا المتعلقة بالسفن والبضائع التي يتم الاستيلاء عليها باعتبارها غنائم حرب.
ولا يزال الإطار القانوني لهذا النظام موجودًا بالفعل في القانون الأمريكي. وينص قانون الولايات المتحدة على أن المحاكم الفيدرالية تتمتع باختصاص أصلي في القضايا المتعلقة بالممتلكات التي يتم الاستيلاء عليها كغنائم، كما يحدد كيفية نقل السفن المصادرة إلى الموانئ وبدء الإجراءات القضائية بشأنها.
وأكد آرون ريتز، المدعي العام الأمريكي للمنطقة الجنوبية من تكساس، أن وزارة العدل تعمل حاليًا على إحياء هذا المسار القانوني، فيما يشارك مكتبه في هيوستن في التحضيرات. وكان ريتز قد تولى منصبه رسميًا في يوليو 2026.
ناقلات النفط الإيرانية في قلب الخطة الأمريكية
الهدف الرئيسي من التحرك هو توفير طريق أسرع أمام السلطات الأمريكية للتعامل مع ناقلات النفط والبضائع المرتبطة بإيران التي تقع تحت سيطرة القوات الأمريكية.
فبدلًا من الدخول في إجراءات المصادرة المدنية التقليدية التي قد تستغرق وقتًا طويلًا بسبب تعدد الجهات التي تطالب بحقوق في السفينة أو الشحنة، يمكن لمسار الغنائم أن يمنح الحكومة الأمريكية إطارًا أكثر مباشرة للحصول على حكم بشأن ملكية الأصول.
وبموجب القانون الأمريكي الحالي، يجب نقل السفينة التي يتم الاستيلاء عليها إلى ميناء مناسب وتقديم المعلومات والمستندات المتعلقة بها إلى الجهات القضائية المختصة قبل الفصل في مصيرها.
وفي حال صدور حكم باعتبار الممتلكات «غنيمة»، ينص القانون على أن صافي عائدات الممتلكات المحكوم بمصادرتها يذهب إلى الولايات المتحدة ويُدفع إلى الخزانة الأمريكية.
واشنطن تبحث عن مسار أسرع من المصادرة المدنية
خلال العقود الماضية، اعتمدت الولايات المتحدة بصورة أكبر على قوانين المصادرة المدنية والعقوبات للتعامل مع السفن والشحنات المرتبطة بإيران وغيرها من الدول الخاضعة للعقوبات.
لكن هذه القضايا قد تصبح معقدة عندما تظهر أطراف أخرى تطالب بحقوق في السفينة أو الأموال الناتجة عنها، مثل ملاك السفن أو الدائنين أو جهات تمتلك أحكامًا قضائية سابقة ضد إيران.
وهنا تظهر أهمية «قانون الغنائم» بالنسبة لوزارة العدل، إذ يرى مؤيدو الخطة أنه قد يقلص بعض الإجراءات ويتيح التصرف في السفن والشحنات بشكل أسرع، خصوصًا مع استمرار تكاليف الاحتفاظ بالسفن المصادرة من تأمين وصيانة وتشغيل.

لماذا تتجه الأنظار إلى هيوستن؟
تدرس وزارة العدل استخدام المنطقة الجنوبية من تكساس كواحدة من أبرز المناطق المحتملة للنظر في هذه القضايا.
ويمنح القانون الأمريكي الاختصاص للمحكمة الفيدرالية في المنطقة التي يقع فيها الميناء الذي يتم إدخال السفينة المصادرة إليه. وإذا تم إدخال الناقلة إلى ميناء أمريكي، تبدأ إجراءات النظر في قضية الغنيمة أمام المحكمة المختصة بتلك المنطقة.
ويجعل ذلك منطقة هيوستن خيارًا مهمًا، نظرًا إلى وجود بنية تحتية ضخمة للطاقة والنفط والبتروكيماويات ومرافق قادرة على التعامل مع ناقلات النفط وشحناتها، وهو ما دفع وزارة العدل إلى التركيز على المنطقة الجنوبية من تكساس ضمن التحضيرات الحالية.
تحديات قانونية قد تواجه إدارة ترامب
رغم المزايا التي تبحث عنها واشنطن، فإن إعادة استخدام هذا النظام قد تفتح الباب أمام معركة قانونية معقدة.
إحدى أهم القضايا ستكون تحديد الظروف التي تسمح أصلًا بتطبيق قانون الغنائم، ومدى انطباقه على الوضع العسكري الحالي مع إيران، إضافة إلى حقوق ملاك السفن والأطراف الثالثة والدول المحايدة.
فالقانون الأمريكي ينص على تطبيق قواعد الغنائم على السفن التي يتم الاستيلاء عليها خلال الحرب بسلطة الولايات المتحدة، كما يؤكد أن أحكامه لا يجوز تفسيرها بطريقة تتعارض مع المعاهدات الدولية التي تلتزم بها واشنطن.
ولهذا يتوقع خبراء القانون البحري أن تصبح قضايا مثل وضع النزاع مع إيران، وقواعد القانون الدولي، وحقوق السفن المحايدة وحدود الحصار البحري محاور رئيسية لأي طعون مستقبلية.
ملاك السفن سيحتفظون بحق الاعتراض
إحياء نظام الغنائم لا يعني أن الحكومة الأمريكية ستصبح قادرة على الاستيلاء على أي ناقلة بصورة تلقائية.
فالإجراءات لا تزال تحتاج إلى مراجعة قضائية، ويمكن للأطراف التي تدعي ملكية السفينة أو الشحنة أن تتقدم للمحكمة بمطالباتها.
كما يوضح القانون الأمريكي أن الممتلكات المصادرة تبقى خاضعة لإجراءات المحكمة، وأن المحكمة تمتلك صلاحيات تتعلق بحفظ الممتلكات والتصرف فيها أثناء سير القضية.
لكن الفارق الذي تراهن عليه وزارة العدل هو أن نطاق الإجراءات قد يكون أكثر وضوحًا وأقل ازدحامًا بالمطالبات الخارجية مقارنة بقضايا المصادرة المدنية التقليدية.

التصعيد الأمريكي الإيراني يعيد القانون القديم إلى الواجهة
تأتي الخطوة وسط تصاعد الضغوط الأمريكية على تجارة النفط الإيرانية، بينما لا تزال حركة السفن في مضيق هرمز بعيدة عن مستوياتها الطبيعية بسبب الصراع والتوترات البحرية.
وأظهرت بيانات حديثة أن حركة السفن عبر المضيق ارتفعت بشكل طفيف يوم الأربعاء، لكنها بقيت دون متوسط الأيام السابقة، في وقت تستمر فيه المفاوضات الإقليمية بشأن الملاحة وإدارة الممر البحري.
كما أدت القيود الأمريكية على صادرات إيران إلى تراجع المعروض من الخام الإيراني لدى المشترين في آسيا، فيما تشير بيانات الشحن إلى انخفاض واضح في صادرات طهران مقارنة بمستويات ما قبل التصعيد.
هل تتحول ناقلات النفط إلى مصدر تمويل لواشنطن؟
الجانب الاقتصادي يمثل جزءًا مهمًا من الخطة.
فإذا نجحت الولايات المتحدة في الحصول على أحكام قضائية باعتبار بعض السفن والشحنات غنائم، يصبح بالإمكان بيع الأصول وتحويل صافي العائدات إلى الخزانة الأمريكية.
وهذا الأمر ليس مجرد توجه سياسي جديد، إذ ينص القانون الأمريكي الحالي صراحة على تحويل صافي الأموال الناتجة عن الممتلكات المحكوم باعتبارها غنائم إلى الولايات المتحدة.
لكن حجم الإيرادات المحتملة سيعتمد على عدد السفن التي تتم مصادرتها، وقيمة شحناتها، والأحكام القضائية النهائية، إضافة إلى قدرة الإدارة على تجاوز الطعون القانونية.
محاكم الغنائم تفتح فصلًا جديدًا في المواجهة مع إيران
إعادة إحياء محاكم الغنائم البحرية قد تضيف أداة جديدة إلى استراتيجية واشنطن للضغط على الاقتصاد الإيراني، خصوصًا قطاع النفط الذي يمثل أحد أهم مصادر الإيرادات لطهران.
لكن تطبيق النظام بعد عقود طويلة من عدم استخدامه على نطاق واسع يعني أن الطريق لن يكون بسيطًا، إذ ستكون المحاكم الأمريكية أمام أسئلة قانونية حديثة باستخدام قواعد نشأت في حقبة مختلفة تمامًا من الحروب البحرية.
وبين رغبة واشنطن في تسريع مصادرة ناقلات النفط الإيرانية وتحويل عائداتها إلى الخزانة، والاعتراضات المحتملة من ملاك السفن والأطراف الأخرى، قد تتحول هذه القضايا إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة القانونية الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران.
