الذهب يتماسك فوق 4300 دولار وسط ترقب الفيدرالي وتصاعد مخاطر سوق السندات
أنهى الذهب تداولات الأسبوع متماسكاً فوق مستوى 4300 دولار للأوقية، في وقت تستعد فيه الأسواق لقرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة وسط توقعات واسعة باتجاه البنك المركزي إلى رفع الفائدة ربع نقطة مئوية. ورغم الضغوط التي عادة ما تفرضها السياسة النقدية المتشددة على المعدن النفيس، أظهر الذهب قدرة لافتة على الاحتفاظ بمكاسبه الأخيرة، مدعوماً بتزايد المخاوف المرتبطة بالديون الأمريكية وسوق سندات الخزانة.
وأغلق الذهب الفوري تعاملات الأسبوع عند 4348.93 دولاراً للأوقية، بينما استقرت العقود الآجلة للذهب في بورصة كومكس عند 4390 دولاراً، بفارق يقارب 41 دولاراً بين السعرين. ويعكس هذا الفارق السعري استمرار وجود علاوة في العقود الآجلة، في إشارة إلى أن المتعاملين لا ينظرون إلى التراجع الأخير باعتباره بداية لمسار هبوطي طويل، بل إلى احتمال أن تكون الانخفاضات الحالية فرصة لإعادة بناء المراكز.

التضخم يدفع الأسواق نحو رفع الفائدة
جاءت بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة لتمنح الأسواق مبرراً قوياً لتوقع تشديد السياسة النقدية. فقد استقر التضخم الأساسي في أغسطس عند 2.4% على أساس سنوي، بينما سجل التضخم العام 3.4%، دون تغيير عن الشهر السابق، لكنه ظل أعلى بوضوح من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
ومع بقاء الضغوط السعرية مرتفعة، ارتفعت رهانات الأسواق على رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نحو 90%، الأمر الذي حدّ من قدرة الدهب على استعادة مستويات قياسية جديدة قبل اجتماع البنك المركزي.
إلا أن المفارقة تكمن في أن الدهب لم يتعرض لضغط حاد رغم ارتفاع احتمالات التشديد النقدي. فالمعدن حافظ على تماسكه فوق 4300 دولار، في إشارة إلى أن المستثمرين أصبحوا يركزون على عوامل تتجاوز العلاقة التقليدية بين الذهب وأسعار الفائدة.
الديون الأمريكية تعيد رسم معادلة الذهب
يتحول مسار الدين الأمريكي وسوق الخزانة تدريجياً إلى أحد أهم العوامل المؤثرة في توقعات الذهب. ومع تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار، ارتفعت عوائد سندات الخزانة إلى مستويات مرتفعة، مقتربة من عتبة 5%، في وقت لم يؤد تدخل وزارة الخزانة من خلال إعادة شراء سندات طويلة الأجل بقيمة 5 مليارات دولار إلى تهدئة المخاوف بصورة واضحة.
ويعني استمرار ارتفاع العوائد في ظل هذا الحجم من الدين أن الأسواق تواجه معضلة مزدوجة؛ فمواصلة التشديد النقدي قد تزيد تكلفة خدمة الدين الحكومي، بينما يؤدي التراجع عن مكافحة التضخم إلى مخاطر جديدة على مصداقية السياسة النقدية.
ومن هذه الزاوية، لا يتعامل المستثمرون مع الذهب باعتباره مجرد أداة للتحوط من التضخم أو انخفاض أسعار الفائدة، بل كوسيلة للتحوط من مخاطر أوسع ترتبط بالاستقرار المالي وقدرة الحكومة الأمريكية على إدارة أعباء الدين المتزايدة.
لماذا لم ينهَر الذهب رغم توقعات رفع الفائدة؟
عادة ما يشكل ارتفاع أسعار الفائدة ضغطاً على الدهب، لأنه يزيد جاذبية الأصول المدرة للعائد ويرفع تكلفة الاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر دخلاً. لكن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيداً.
فحتى في حال رفع الفيدرالي أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية، يرى عدد من الاستراتيجيين أن جزءاً كبيراً من القرار أصبح مسعراً بالفعل في الأسواق. وفي المقابل، فإن المخاوف المتعلقة بالدين الأمريكي، وتراجع قيمة الدولار على المدى الأبعد، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، وتدفقات صناديق الدهب المتداولة، كلها عوامل يمكن أن تحد من التأثير السلبي لأي تشديد نقدي قصير الأجل.
ويعزز ذلك فكرة أن أي هبوط للذهب عقب قرار الفيدرالي قد يكون محدوداً إذا لم يترافق مع تغير جوهري في توقعات الأسواق بشأن المسار المالي والنقدي الأمريكي.
البنوك المركزية تضيف مزيداً من التقلبات
ولا يقتصر أسبوع الذهب على قرار الاحتياطي الفيدرالي، إذ تتجه أنظار المستثمرين أيضاً إلى بنك إنجلترا وبنك اليابان، في وقت تتزايد فيه أهمية تحركات العملات بالنسبة إلى أسعار المعادن والأصول العالمية.
وتتوقع الأسواق تثبيت بنك إنجلترا أسعار الفائدة عند 3.75%، بينما تترقب رفع بنك اليابان أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. ويكتسب القرار الياباني أهمية خاصة مع اقتراب الدولار من منطقة دعم رئيسية أمام الين عند مستوى 152.
وفي حال تعرض الدولار/ين لضغوط قوية وكسر هذا المستوى، فقد يتسارع صعود الين نتيجة تغطية المراكز البيعية وإغلاق بعض صفقات الكاري تريد، وهو ما قد ينعكس على تدفقات السيولة العالمية وعلى عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وبالتالي على الدهب.
الأسواق أمام أسبوع حاسم
يدخل الذهب الأسبوع الجديد في وضع مختلف عن الأسابيع السابقة، إذ لم تعد الرهانات على الفائدة الأمريكية العامل الوحيد القادر على تحديد اتجاهه. فالمعدن يتحرك الآن بين ضغط السياسة النقدية من جهة، ومخاطر الديون والسندات وتدفقات الملاذات الآمنة من جهة أخرى.
وسيكون قرار الفيدرالي الأربعاء الاختبار الأهم للسعر، لكن رد فعل الذهب لن يعتمد فقط على حجم رفع الفائدة، بل على لهجة البنك بشأن التضخم، ومسار السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة، وتقييمه للمخاطر المالية والاقتصادية.
وفي حال جاء القرار متشدداً بالفعل، فقد يتعرض الذهب لضغط قصير الأجل، إلا أن بقاء الأسعار فوق 4300 دولار سيظل إشارة فنية مهمة على قوة الطلب. أما عودة الدهب إلى ما دون هذه المنطقة فقد تفتح الباب أمام تصحيح أعمق.
في المقابل، فإن أي لهجة أقل تشدداً من المتوقع، بالتزامن مع استمرار مخاوف سوق السندات، قد تمنح الذهب دفعة جديدة وتعيد التركيز إلى المستويات الأعلى، خصوصاً أن العقود الآجلة لا تزال تتداول بعلاوة واضحة فوق السعر الفوري.
التحركات السعرية للذهب عند الإغلاق 11 سبتمبر
الأداة | سعر الإغلاق | التحرك الأسبوعي | الاتجاه |
|---|---|---|---|
الذهب الفوري | 4,348.93 دولار | خسارة طفيفة | هابط بشكل محدود |
الذهب الآجل – Comex | 4,390.00 دولار | خسارة طفيفة | هابط بشكل محدود |
الفارق بين الفوري والآجل | نحو 41 دولاراً | علاوة للعقود الآجلة | كونتانغو |
أبرز البيانات المنتظرة
يحمل الأسبوع المقبل مجموعة من المحفزات التي قد ترفع مستويات التقلب في الأسواق، وفي مقدمتها قرار الاحتياطي الفيدرالي الأربعاء إلى جانب مبيعات التجزئة الأمريكية. كما يترقب المستثمرون الخميس قرارات بنك إنجلترا وبنك اليابان، إضافة إلى طلبات إعانة البطالة الأمريكية، وبيانات التصنيع في فيلادلفيا، وتصاريح البناء والمساكن الجديدة ومبيعات المنازل المعلقة.
وبينما يستعد السوق لرفع الفائدة الأمريكية، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للذهب هو ما إذا كان الفيدرالي قادراً على مواصلة التشدد في ظل الضغوط المتزايدة في سوق الخزانة. فإذا أصبحت مخاطر الدين والاستقرار المالي أكثر تأثيراً في قرارات السياسة النقدية، فقد يجد الذهب دعماً هيكلياً يتجاوز التأثير المؤقت لأسعار الفائدة.
