الذهب يتراجع والنفط يحافظ على تماسكه.. كيف أنهت أسواق السلع تعاملات الجمعة؟
الذهب-اغلاق-الجمعة
أنهت أسعار الذهب تعاملات يوم الجمعة على أداء حذر، متأثرة باستمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة وتزايد التوقعات ببقاء أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، في وقت يواصل فيه المستثمرون تقييم آفاق السياسة النقدية الأمريكية وتأثيرها على مستقبل المعدن النفيس.
وجاء إغلاق الذهب في نهاية الأسبوع وسط حالة من الترقب في الأسواق العالمية، بعدما أدت بيانات التضخم القوية خلال الأشهر الأخيرة إلى إعادة تسعير توقعات خفض الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على حركة الذهب، إذ يواجه المعدن الأصفر عادة ضغوطاً عندما ترتفع العوائد الحقيقية على السندات، نظراً لأنه لا يوفر عائداً لحائزيه مقارنة بالأصول المدرة للفائدة.
ويرى محللون أن موجة الصعود القوية التي شهدها الدهب خلال الأشهر الماضية تعرضت لمرحلة تصحيح طبيعية نتيجة التحولات في توقعات السياسة النقدية، خاصة مع استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي ومرونة سوق العمل، الأمر الذي منح صناع القرار في الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.
ورغم هذه الضغوط قصيرة الأجل، لا تزال المؤسسات المالية الكبرى تحتفظ بنظرة إيجابية تجاه الدهب على المدى المتوسط والطويل. وفي هذا السياق، أكد مايكل بولينجر، مدير الاستثمار الرئيسي لدى UBS في سويسرا، أن ارتفاع العوائد الحقيقية كان أحد أبرز العوامل التي أثقلت كاهل أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة، إلا أن هذا التأثير قد يتراجع مع عودة الاحتياطي الفيدرالي إلى مسار خفض الفائدة خلال الفترات المقبلة.
وأوضح بولينجر أن أي تحول نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً من جانب البنك المركزي الأمريكي من شأنه أن يوفر دعماً قوياً للذهب، مشيراً إلى أن التوقعات طويلة الأجل لا تزال إيجابية بفضل مجموعة من العوامل الهيكلية التي تدعم الطلب على المعدن النفيس.

ومن أبرز هذه العوامل استمرار مشتريات البنوك المركزية العالمية، التي تواصل تعزيز احتياطياتها من الدهب بوتيرة قوية. وتشير التقديرات إلى أن البنوك المركزية اشترت نحو 244 طناً من الدهب خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يعكس استمرار الطلب السيادي القوي على المعدن الأصفر ويضع العام الحالي على مسار تسجيل واحد من أعلى مستويات الشراء خلال العقود الماضية.
ويؤكد خبراء الأسواق أن هذا النوع من الطلب يختلف عن الطلب الاستثماري التقليدي، إذ تستند قرارات البنوك المركزية إلى اعتبارات استراتيجية طويلة الأجل تتعلق بتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية، وليس إلى تحركات الأسعار قصيرة الأجل.
كما يواصل الدهب الاستفادة من مكانته كأحد أهم أصول التحوط في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، خاصة مع تصاعد التوترات الدولية واستمرار المخاوف المرتبطة بالديون السيادية والعجوزات المالية المتزايدة في العديد من الاقتصادات الكبرى.
ويرى مراقبون أن التغيرات الجارية في النظام المالي العالمي تدفع العديد من المستثمرين والمؤسسات إلى إعادة النظر في توزيع الأصول داخل المحافظ الاستثمارية، مع تزايد الاهتمام بالأصول الحقيقية وعلى رأسها الدهب، باعتباره وسيلة للحفاظ على القيمة ومواجهة مخاطر التضخم وتقلبات الأسواق المالية.
وتشير التوقعات طويلة الأجل الصادرة عن UBS إلى إمكانية استمرار الاتجاه الصاعد للذهب خلال السنوات المقبلة، مدعوماً بزيادة الطلب المؤسسي واستمرار عمليات الشراء من البنوك المركزية، إلى جانب احتمالات عودة دورة التيسير النقدي الأمريكية. وتتوقع المؤسسة المالية أن يحقق المعدن النفيس مكاسب إضافية بحلول نهاية عام 2026 إذا بدأت أسعار الفائدة الأمريكية بالانخفاض وفق السيناريو المتوقع.
وبينما أغلق الذهب تعاملات يوم الجمعة تحت تأثير الضغوط المرتبطة بالعوائد المرتفعة وقوة الدولار، فإن العوامل الأساسية الداعمة للسوق لا تزال قائمة، ما يجعل المستثمرين يراقبون عن كثب أي إشارات جديدة من الاحتياطي الفيدرالي بشأن توقيت وحجم التخفيضات المحتملة في أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، باعتبارها المحرك الرئيسي لاتجاه الدهب في المرحلة القادمة.
