الذهب يتراجع رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.. قوة الدولار والفائدة المرتفعة تهيمن على الأسواق
هبوط-الذهب
واصلت أسعار الذهب تراجعها خلال تداولات يوم الإثنين، لتسجل أدنى مستوياتها في نحو 11 أسبوعاً، في ظل تعرض المعدن النفيس لضغوط قوية من ارتفاع الدولار الأمريكي وصعود عوائد سندات الخزانة، بعدما عززت بيانات الوظائف الأمريكية الأخيرة التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
ويأتي هذا التراجع رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، وهي عوامل تدعم الدهب عادة باعتباره ملاذاً آمناً، إلا أن تأثير السياسة النقدية الأمريكية بدا أكثر قوة وتأثيراً على تحركات الأسواق خلال الفترة الحالية.
وسجل الذهب الفوري انخفاضاً بنسبة 0.4% ليصل إلى 4,312.08 دولاراً للأوقية، وهو أدنى مستوى له منذ أواخر شهر مارس الماضي، بينما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.7% إلى 4,337.10 دولاراً للأوقية. كما هبطت أسعار الفضة بنسبة 0.8% إلى 67.32 دولاراً للأوقية، فيما تراجع البلاتين بنسبة 0.6% ليسجل 1,770.58 دولاراً للأوقية.
بيانات الوظائف الأمريكية تغير اتجاه الأسواق
جاءت الضغوط الرئيسية على الذهب بعد صدور تقرير الوظائف الأمريكي لشهر مايو، والذي أظهر استمرار قوة سوق العمل في أكبر اقتصاد في العالم.
وأوضحت البيانات أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 172 ألف وظيفة جديدة خلال الشهر الماضي، متجاوزاً توقعات الأسواق، بينما استقر معدل البطالة عند مستوى 4.3%.
وتعكس هذه الأرقام استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي رغم أسعار الفائدة المرتفعة، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على خفض الفائدة خلال المدى القريب.
وبعد صدور التقرير، ارتفعت عوائد السندات الأمريكية وصعد الدولار إلى أعلى مستوياته في شهرين تقريباً، الأمر الذي شكل ضغطاً مباشراً على الذهب، نظراً لأن ارتفاع العوائد يزيد من جاذبية الأصول المدرة للدخل مقارنة بالمعدن النفيس الذي لا يحقق عائداً لحائزيه.

لماذا تؤثر الفائدة المرتفعة سلباً على الذهب؟
يُعد الدهب من أكثر الأصول حساسية لتغيرات السياسة النقدية الأمريكية، حيث ترتبط تحركاته بشكل مباشر بتوقعات أسعار الفائدة.
فعندما ترتفع الفائدة أو تزداد التوقعات باستمرارها عند مستويات مرتفعة، يزداد الإقبال على الدولار والسندات الحكومية، بينما يتراجع الطلب على الذهب.
ويعود ذلك إلى أن المستثمرين يفضلون توجيه أموالهم نحو الأصول التي تحقق عائداً ثابتاً، في حين لا يوفر الدهب أي عائد دوري.
ولهذا السبب، فإن أي بيانات اقتصادية قوية تدعم استمرار التشديد النقدي غالباً ما تشكل عامل ضغط على أسعار المعدن الأصفر.

النفط والتوترات الجيوسياسية يعيدان التضخم إلى الواجهة
في المقابل، شهدت أسواق الطاقة ارتفاعات قوية مع تجدد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وسط مخاوف من اتساع نطاق الصراع وتأثيره على إمدادات الطاقة العالمية.
وارتفع خام برنت ليتجاوز مستوى 96 دولاراً للبرميل، فيما صعد الخام الأمريكي فوق مستوى 93 دولاراً للبرميل، وهو ما أعاد المخاوف المتعلقة بارتفاع التضخم العالمي.
ويخشى المستثمرون من أن تؤدي زيادة أسعار الطاقة إلى رفع تكاليف الإنتاج والنقل عالمياً، الأمر الذي قد يبطئ وتيرة تراجع التضخم ويجبر البنوك المركزية على الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وهنا تظهر المفارقة التي تواجه الذهب حالياً؛ فارتفاع التوترات السياسية وأسعار النفط يدعم الطلب على الملاذات الآمنة من جهة، لكنه يزيد أيضاً احتمالات استمرار التشديد النقدي من جهة أخرى.
لماذا لم يستفد الذهب من التوترات في الشرق الأوسط؟
على الرغم من أن الذهب يُعتبر تاريخياً أحد أهم الملاذات الآمنة خلال فترات الحروب والأزمات السياسية، فإن الأسواق في الوقت الراهن تركز بصورة أكبر على السياسة النقدية الأمريكية.
فالمستثمرون يرون أن تأثير قوة الدولار وارتفاع العوائد الأمريكية أكبر من تأثير الطلب الناتج عن المخاطر الجيوسياسية، خاصة في ظل استمرار تدفق البيانات الاقتصادية الإيجابية من الولايات المتحدة.
كما أن صعود الدولار يجعل الدهب أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، وهو ما يحد من الطلب العالمي على المعدن النفيس.
لذلك، لم يتمكن الدهب حتى الآن من الاستفادة بشكل كامل من حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وبقي تحت ضغط بيعي واضح رغم تصاعد المخاطر الإقليمية.
ما الذي تراقبه الأسواق الآن؟
تتجه أنظار المستثمرين خلال الفترة المقبلة إلى ثلاثة ملفات رئيسية ستحدد مسار الذهب:
السياسة النقدية الأمريكية ومدى استمرار الاحتياطي الفيدرالي في الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة.
تحركات الدولار الأمريكي الذي يواصل التداول قرب أعلى مستوياته في شهرين.
تطورات الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثيرها على أسعار النفط والتضخم العالمي.
كما ستراقب الأسواق عن كثب بيانات التضخم الأمريكية المقبلة، والتي قد توفر إشارات أكثر وضوحاً بشأن توقيت أي خفض محتمل للفائدة.
هل يستعيد الذهب زخمه؟
رغم الضغوط الحالية، لا يزال الذهب يحتفظ بعوامل دعم مهمة على المدى المتوسط والطويل، أبرزها استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وارتفاع مستويات الدين العالمي، ومواصلة العديد من البنوك المركزية زيادة احتياطياتها من الذهب.
لكن على المدى القصير، يبدو أن اتجاه الأسعار سيظل رهينة لتوقعات الفائدة الأمريكية وقوة الدولار، وهما العاملان اللذان يواصلان فرض سيطرتهما على حركة الأسواق العالمية في الوقت الراهن.
وفي حال استمرت البيانات الاقتصادية الأمريكية في إظهار القوة، فقد يواجه الذهب مزيداً من الضغوط خلال الأسابيع المقبلة، أما إذا بدأت مؤشرات التضخم أو النمو بالتباطؤ، فقد تعود التوقعات بخفض الفائدة إلى الواجهة، وهو ما قد يمنح المعدن النفيس فرصة لاستعادة جزء من خسائره الأخيرة.
